بقلم : سبل السلام
غيّر تطور تكنولوجيا الاتصالات طريقة تفاعل البشر. فالمسافة الجغرافية التي كانت تشكل عائقًا في السابق. باتت تتجاوز بسهولة متزايدة بفضل الإنترنت والتقنيات الرقمية المختلفة.
قد ساهم هذا التغيير في تسريع العولمة وتعزيز العلاقات بين الدول وفتح آفاقًا جديدة أمام الجهات الفاعلة غير الحكومية بما فيها منظمات المجتمع المدني للاضطلاع بدور في الشؤون الدولية.
لم يعد تدويل المنظمات مجرد خيار. بل قد يكون نتيجة لتطور الحركات والحاجة إلى الاستجابة للقضايا العابرة للحدود.
ويرى حسين وكورنياوان وكورنياواتي أن هذه الظاهرة تعدّ وسيلة لكسر الصورة النمطية السائدة بأن الوصول إلى النفوذ الدولي والتأثير فيه حكرٌ على الجهات الحكومية. في الواقع تتمتع الجهات الفاعلة غير الحكومية كالمنظمات بالقدرة على بناء شبكات والتأثير في السياسات والمساهمة في حل القضايا العالمية.
آثار التدويل للجمعية المحمدية
الجمعية المحمدية منظمة دينية واجتماعية تأسست عام 1912 بدأت اليوم تضطلع بدور دولي. وبصفتها منظمة مجتمع مدني ذات توجه ديني تطوّر الجمعية المحمدية أنشطة متنوعة من بينها التدويل. انطلاقًا من منظور قيمي في مجالات كالتعليم والصحة والشؤون الاجتماعية والإنسانية.
في رسالة الإسلام التقدمي كإيديولوجيا هذه الجمعية لا يقتصر مفهوم التدويل على توسيع نطاق المنظمة في الخارج فقط. بل ينظر إليه كمسؤولية للمساهمة في بناء نظام عالمي عادل وسلمي ومزدهر.
ترتبط هذه الخطوة أيضًا بجهود نشر القيم الإسلامية التي تعدّ نعمة حقيقية للطبيعة جمعاء وعالمية وشاملة. تنظر الجمعية المحمدية إلى القضايا الدولية من منظور مبدأ الرحمة الذي يشمل الجميع دون تمييز بين القوميات.
يتوافق هذا النهج مع الآية 107 من سورة الأنبياء والآية 13 من سورة الحجرات اللتين تؤكدان على أهمية التفاهم المتبادل في ظل التنوع البشري وعلى حضور الإسلام كرحمة للعالمين. لذا ينبغي ألا تقتصر الدعوة على حدود جغرافية. بل يجب أن توجَّه نحو بناء علاقات الاحترام المتبادل بين الشعوب والأمم.
يتجلى انفتاح الجمعية المحمدية على العالم في شبكة فروع الجمعية في 33 دولة بالإضافة إلى تطوير مؤسسات مثل كلية المحمدية الأسترالية والجامعة المحمدية الماليزية وإنشاء المدارس في مصر وماليزيا ودول أخرى . ويمكن لهذه الشبكة أن تشكّل حلقة وصل بين الجمعية المحمدية والجالية الإندونيسية في الخارج والمجتمع المحلي.
كما تعمل الجمعية المحمدية خلال مركز إدارة الكوارث على تطوير القدرات في إدارة الكوارث. بما في ذلك خدمات الطوارئ الطبية. ويمكن أن تشكّل الخبرة في مجالات التعليم والصحة وإدارة الكوارث رصيدًا قيّمًا لتعزيز ثقة الشركاء الدوليين.
فإنّ امتلاك شبكات واسعة ورأس مال كبير لا يضمن في حد ذاته نجاح التدويل. إذ يجب ترجمة هذا رأس المال إلى تعاون فعليّ يحقق فوائد للمجتمعات عبر الحدود.
الدبلوماسية للجمعية المحمدية
في العلاقات الدولية لا تتم الدبلوماسية دائمًا عبر القنوات الرسمية بين الحكومات.
يوضح خبير النزاعات كريستوفر ميتشل أنه عندما يصل حل النزاعات عبر الدبلوماسية الرسمية (أي : الدولة) إلى طريق مسدود. يمكن للجهات الفاعلة غير الحكومية أن تسهم في فتح المجال للحوار وبناء الثقة شريطة امتلاكها القدرات اللازمة.
يتجلى هذا في النظرية الدبلوماسية التي شاع استخدامها على يد جيفري ماباندير في مقالته العلمية “الدبلوماسية ذات المسارين وتكامل المسارات”. يصف في مقالته نوعين من الدبلوماسية: الدبلوماسية ذات المسارين التي تشرك المسؤولين الحكوميين في حوار غير رسمي مع جهات فاعلة غير حكومية والدبلوماسية ذات المسارين التي تشرك جهات فاعلة من المجتمع المدني .
تتجلى تجربة دبلوماسية الجهات الفاعلة غير الحكومية في مبادرات الحوار السلمي التي أطلقتها الجمعية المحمدية. بما في ذلك المبادرات المتعلقة بنزاع بانجسامورو في الفلبين. وتظهر هذه التجربة إمكانية مساهمة المنظمات الدينية من خلال مناهج اجتماعية ثقافية وشرعية أخلاقية ودعم التعافي بعد النزاع. ولا يهدف هذا الدور إلى استبدال الدبلوماسية الحكومية. بل إلى استكمالها عبر قنوات المجتمع المدني.
ويعد هذا الالتزام ذا أهمية بالغة في الاستجابة للأزمات اللاجئون الفلسطينيون والروهينغيا. كما استطعت الجمعية المحمدية تعزيز جهودها الدولية للدفاع عن حقوق المدنيين وضمان إعمال حقوق اللاجئين وتوفير الخدمات الأساسية لهم.
كما يمكن للتعاون مع منظمات المجتمع المدني العالمية أن يوسّع نطاق المساعدات ويعزّز الجهود المبذولة لحل النزاعات بشكل عادل. لذا فإن تدويل الجمعية المحمدية ليس مجرد برنامج مؤسسي. بل هو أيضاً تجسيد للمسؤولية الإنسانية في معالجة القضايا العالمية.
الترحيب بالرسالة الإسلامية العالمية
قبل انعقاد مؤتمرها التاسع والأربعين اعتمدت الجمعية المحمدية رسمياً الرسالة الإسلامية العالمية استكمالاً لمبادرة التواصل الإسلامي وهي نتيجة منطقية لروح الجمعية المحمدية نحو التدويل.
تشكّل هذه الرسالة أساساً للجمعية المحمدية لتوسيع نطاق مساهماتها في معالجة القضايا العالمية من السلام وأزمة المناخ إلى عدم المساواة الاجتماعية وحقوق الإنسان.
فلا يقتصر التحدي الذي يواجه الجمعية المحمدية على توسيع شبكتها في الخارج فقط. بل يتعداه إلى ضمان أن يحقق التدويل أثراً مستداماً.
إنّ مخاطبة البعد العالمي تعني توسيع آفاق الحركة دون المساس بجذورها وقيمها وهويتها. ومن خلال الرسالة العالمية تتاح للجمعية المحمدية فرصةٌ لأداء دورٍ أكثر فاعلية في السعي نحو عالمٍ يسوده السلام والعدل والتقدم.
المراجع
Hussein, R., Kurniawan, B. D., & Kurniawati, N. (2024). Humanitarian Diplomacy in Action: Examining Muhammadiyah as a Model for Faith-Based Organizational Engagement. JURNAL HUBUNGAN INTERNASIONAL, 13(1). https://doi.org/10.18196/jhi.v13i1.19673
Ilham. (2021, 6 21). Haedar Tegaskan Bahwa Islam Memiliki Visi Universalisme dan Kosmopolitanisme. Muhammadiyah.or.id. https://muhammadiyah.or.id/2021/06/haedar-tegaskan-bahwa-islam-memiliki-visi-universalisme-dan-kosmopolitanisme/
Khisbiyah, Y. (2026). Internasionalisasi Muhammadiyah: Dari Jejak Lokal ke Kepemimpinan Peradaban Artikel ini telah tayang di suaramuhammadiyah.id dengan judul: Internasionalisasi Muhammadiyah: Dari Jejak Lokal ke Kepemimpinan Peradaban, https://suaramuhammadiyah.id/read/intern. Suara Muhammadiyah. https://suaramuhammadiyah.id/read/internasionalisasi-muhammadiyah-dari-jejak-lokal-ke-kepemimpinan-peradaban
Mapendere, J. (2000). Track One and a Half Diplomacy and the Complementarity of Tracks. Culture of Peace Online Journal, 2(1), 66-81.
Mitchell, C. R. (2005). Conflict, Social Change and Conflict Resolution. An Enquiry. Berghof Handbook for Conflict Transformation.
Sugito, Reynaldi, H. A., Mas’udi, S. Y., & Ahmadi, S. (2025). Peacebuilding Strategies in Southeast Asia: Lessons from Catholic Relief Services in Timor-Leste and Muhammadiyah in Mindanao. Jurnal Ilmiah Hubungan Internasion, 21(1). https://doi.org/10.26593/jihi.v21i1.6569.34-51






Discussion about this post