يوجياكرتا- زار ميتسو ناكامورا, الخبير الياباني والأستاذ الجامعي في الأنثروبولوجيا إلى يوجياكرتا. خلال اللقاء مع الرئيس العام للجمعية المحمدية حيدر ناصر يوم الاثنين (22\9) تحدث ناكامورا كثيراً عن قصته مع الجمعية المحمدية.
ميتسو ناكامورا عالم الأنثروبولوجيا الياباني الذي أمضى أكثر من نصف قرنٍ في البحث عن الإسلام في إندونيسيا وخاصةً عن الجمعية المحمدية.
زيارة ناكامورا إلى إندونيسيا هذه المرة بمثابة إطلاق كتابه الجديد عن الحياة الدينية الإسلامية خلال عام 1971-2023.
من ناحية أخرى يُمثل حيدر الجيل الحالي من رؤساء الجمعية المحمدية الذين يواصلون نضال أكبر حركة إسلامية حداثية في إندونيسيا. ومن ناحيةٍ أخرى يُعد ناكامورا شاهدًا على رحلة الجمعية المحمدية الطويلة من خلال بحوثه العلمية ليفهم هذه الجمعية. كان الحديث بمثابة حوار عابر للحدود والأجيال حول خدمات الجمعية المحمدية.
من المعلوم أنّ ناكامورا يبحث عن مسيرة الدعوة للجمعية المحمدية في قرية كوتاجيدي بيوجياكرتا. وهو عمل أنثروبولوجي صوّر الجمعية المحمدية ليس فقط كمنظمة بل كقوة اجتماعية متجذرة في قيم التجديد الإسلامي.
كان البحث في الأصل مهمة دكتوراه لناكامورا في جامعة كورنيل بالولايات المتحدة. ومن هنا وُلد كتابه الرائع “الهلال يشرق فوق شجرة البانيان: دراسة للحركة المحمدية في مدينة جاوة الوسطى” مطبوع كالطبعة الأولى عام ١٩٨٣والطبعة الثانية عام ٢٠١٢. تُرجم هذا العمل لاحقًا إلى اللغة الإندونيسية ونشرته مطبعة جامعة كاجاه مادا بيوجياكرتا.
ومن خلال هذا البحث ذكر حيدر أن الجمعية المحمدية كانت تُذكر باستمرار برأس مالها الاجتماعي. ففي بداياتها كانت الجمعية المحمدية مدعومة بتجار سخيين وفّروا القوة الاقتصادية للدعوة الإسلامية في هذه المنطقة.
أما الآن فقد تحوّل هذا الرأس المال الاجتماعي إلى المشروعات الخيرية منها مدارس ومستشفيات وجامعات.
قال حيدر “كانت الجمعية المحمدية قوية بفضل التجار. أما الآن فتنمو هذه الجمعية بسرعة بفضل المشروعات الخيرية مما يُمكّنها من تمويل نفسها كأكبر منظمة إسلامية ذات أصول ضخمة لأغراض الدعوة والإنسانية”.
وذكّر حيدر الجمعية المحمدية بضرورة الحفاظ على جذورها. ويجب الحفاظ على رأس المال الاجتماعي لهؤلاء التجار. لذلك طوّر خلال فترة عمله شبكة من تجار الجمعية المحمدية لضمان استمرار نمو روح المبادرة بين كوادرها. من هنا برز التآزر بين قوة شخصية وقوة مؤسسية. وأصبح كلاهما رأس المال الاجتماعي والديني يمكن لهذه الجمعية الاستفادة منه للمضي قدمًا كما تابع.
قال “يجب مواصلة رعاية الفكر القائم على البحث. الجمعية المحمدية كحركة إصلاحية لا يمكن أن تقتصر على الخطابة. نحن بحاجة إلى بيانات وحقائق اجتماعية يمكن تطويرها بعد ذلك إلى نظريات ونماذج وتوجيهات للحركة”.
لم تكن روحه البحثية نموذجية فحسب بل ترك منظور ناكامورا للجمعية المحمدية انطباعًا عميقًا أيضًا. فقد سعى إلى فهم نبض الجمعية المحمدية كما يلمسه أعضاؤها. وهذا ما يميزه عن غيره من الإندونيسيين.
قال “يتبع الأستاذ ناكامورا نهجًا شموليًا. فهو يرى الجمعية المحمدية من الداخل لا من الخارج. وهذا يسمح له بفهم مسيرة الجمعية المحمدية دون إصدار أحكام مُفرطة”.
وأضاف أن هذا النهج المتواضع بالغ الأهمية.
قال: “النقد مهم ولكن يجب أن يُمارس بالطريقة الصحيحة. ونحن نتعلم ذلك منه”.
بالنسبة لحيدر لم يكن هذا اللقاء مجرد مقابلة بل كان يحمل شعورًا بالحنين إلى الماضي. روى أنه في عام١٩٨٤ عندما كان لا يزال صحفيًا أجرى مقابلة مع ناكامورا في المبنى القديم للجمعية المحمدية.
في هذه الأثناء تحدث ناكامورا عن قصته بصراحة. أقرّ بأنه لم يكن ينوي في البداية للبحث عن الإسلام وعن المحمدية.
قال “في البداية جئتُ إلى كوتاجيدي لإجراء بحث فقط. فدرستُ التاريخ الاجتماعي عن هذه المنطقة” .
إلا أن الواقع غيّر كل شيء. كانت كوتاجيدي جزءًا لا يتجزأ من المناطق الإسلامية ذاك الوقت و ظهر فيها القيم الإسلامية. من هذا المجتمع تعلّم ناكامورا الإسلام ليس من الكتب بل من خلال حواره مع أعضاء الجمعية المحمدية.
قال ” أهل منطقة كوتاجيدي هم من قادوني إلى الإسلام. لقد أسروا انتباهي. قبل ذلك كانت معرفتي بالإسلام محدودة للغاية. لكن بعد تفاعلي مع أعضاء الجمعية المحمدية انفتحت عيناي على كيف يُحيي الإسلام الناس”.
بعد نصف قرن لم يضعف هذا الشغف. عندما سُئل عن كيفية تمكنه من البحث المستمر عن الجمعية المحمدية لمدة خمسين عامًا أجاب ناكامورا “أعتقد أن ذلك بفضل الفضول”.
من وجهة نظر ناكامورا لا يمكن فصل رحلة الإسلام في إندونيسيا عن الشخصيات الرئيسية. استشهد ناكامورا بمؤسس المحمدية الشيخ أحمد دحلان كشخصية حداثية بارزة مع الشيخ هاشم الأشعري من جمعية نهضة العلماء تنتمي إلى المذهب التقليدي. كما استذكر القيادة الطويلة للشيخ فخر الدين من الجمعية المحمدية بالإضافة إلى دور عبد الرحمن وحيد.
يرى ناكامورا أن جميع هذه الشخصيات قد أثرت على صورة الإسلام في إندونيسيا. فقد قدم كل منهم أسلوبًا قياديًا فريدًا مع الحفاظ على جذوره في روح النضال من أجل الشعب. ومن خلال مساهماتهم تمكن الإسلام في إندونيسيا من تقديم وجه متنوع وشامل.
فماذا عن مستقبل المحمدية ؟ يرى ناكامورا تفاؤلًا. ويعتقد أن الخبرة الطويلة للجمعية المحمدية في إدارة التعليم والخدمات الاجتماعية تُعد رصيدًا أساسيًا لمواجهة القرن الجديد. ويرى أن الشبكة العالمية التي بدأت الجمعية المحمدية في تأسيسها خطوة استراتيجية لتعزيز دور الإسلام الإندونيسي في العالم.
قال “أعتقد أن الجمعية المحمدية ستواصل نموها بفضل الأعمال الصالحة. إنها قوة مجتمع مدني بالغة الأهمية”. وسلط الضوء على شبكة الجامعات المحمدية التي وصلت إلى 163 جامعة بعضها في الخارج.
يرى أنّ هذا رصيدًا رئيسيًا لعولمة الجمعية المحمدية.
وقال “يمكن للإسلام من خلال المؤسسات المحمدية أن يُعرَف على نطاق واسع في جميع العالم. أعتقد أن هذا سيُسهم إسهامًا مهمًا في السلام العالمي”.





