كان التعليم العالي في إندونيسيا الماضي امتيازًا نادرًا مقتصرًا على النخبة وخاضعًا لسيطرة الحكومة الاحتلالية الهولندية. في ذلك الوقت كان العديد من الإندونيسيين الأصليين لا يزالون أميين. لذلك بدت الجمعية المحمدية التي أطلقت مبادرة التعليم المتكافئ للجميع بمثابة واحة في الصحراء آنذاك.
في خضم سياسات الحكومة الاحتلالية التمييزية التي حدّت من فرص الإندونيسيين الأصليين نجح الشيخ أحمد دحلان في إنشاء أول مؤسسة تعليمية تابعة للجمعية المحمدية. سميت المؤسسة “المدرسة الابتدائية الدينية الإسلامية”. تأسست هذه المدرسة في الأول من ديسمبر عام ١٩١١ في منزله.
أثار هذا الدمج الجريء للثنائية في التعليم مقاومةً كبيرة حتى من داخل المجتمع المسلم نفسه. مع ذلك يرى الشيخ أن هذا المسعى كان السلاح الأمثل للسكان الأصليين لإنهاء استبعادهم من صلب الحياة الاجتماعية.
لم يكن التعليم كافيًا في المرحلة الابتدائية. لذا في اجتماع الجمعية المحمدية عام ١٩٢٠ أعرب الشيخ هشام رئيس قسم التدريس آنذاك عن أمله في أن تنشئ الجمعية المحمدية جامعةً كبرى. إلا أن فكرته قوبلت بسخرية واسعة.
ريادة أول جامعة للمحمدية
كسرت الجمعية المحمدية بالفعل حواجز الوصول إلى التعليم. في عام ٩٣٦، في مؤتمر الجمعية في جاكرتا نوقشت الفكرة مجددًا. ومن هنا بدأت رحلة الجامعات المحمدية الطويلة.
بعد مسيرة طويلة تأسست أول جامعة بنجاح في بادانغ بانجانغ عام ١٩٥٥. وبصفتها أول وأقدم جامعة للمحمدية لم تكن المسيرة والجهود المبذولة سهلة على الإطلاق.
في البداية تأسست كلية الحقوق والفلسفة في ١٨ نوفمبر ١٩٥٥ في بادانغ بانجانغ ثم نقلت إلى جاكرتا عام ١٩٥٦ باسم كلية تدريب المعلمين. لاحقًا تغير اسمها إلى كلية تدريب المعلمين والتربية والتي أصبحت فيما بعد جزءًا من الجامعة المحمدية بجاكرتا حيث لا تزال قائمة حتى اليوم.
ربما لم يتخيل أحد أن فكرة إنشاء الجامعة التي كانت تسخر منها في الماضي وتبدو مستحيلة التحقيق ستتطور اليوم إلى شبكة واسعة تضم حوالي ١٦٥ جامعة في جميع أنحاء إندونيسيا. وقد خرّجت الجامعات المحمدية مئات الآلاف من الخريجين في مختلف المجالات وساهمت في التنمية الوطنية.
من القاعدة الشعبية إلى الدرجة العالمية
بفضل ارتباطها الوثيق بجذور الجمعية المحمدية التاريخية تعدّ يوجياكارتا أكبر مركز لمؤسسات التعليم العالي في إندونيسيا حيث تضمّ فروعًا جامعية ذات جودة عالية. بل إن بعض هذه المؤسسات قادرة على منافسة أفضل الجامعات الحكومية.
يتجلى ذلك في حصول الجامعة المحمدية بيوجياكارتا وجامعة أحمد دحلان على جائزة التميز من المجلس الوطني لمؤسسات التعليم العالي. كما تتميز الجامعة العائشية ببرامج دراسية مرموقة في مجالات التوليد والتمريض والعلاج الطبيعي.
يبرز برنامج وكالة الجمعية المحمدية للمنح الدراسية الذي يقدّم تمويلًا تعليميًا دور الجمعية المحمدية في توسيع نطاق الوصول إلى التعليم. ومن المتوقع أن تسهم هذه الإدارة الاحترافية للمنح الدراسية في إعداد جيل متميز للوطن.
ينشئ نظام الجامعات المرتبط بالجمعية المحمدية بيئةً تنمويةً مستدامةً لطلابه. فالجمعية ليست مجرد مركز لتطوير الكوادر بل هي أيضًا مختبرٌ للقيادة يتيح مساحةً واسعةً لكل عضوٍ لتجربة الأفكار واتخاذ خطواتٍ عملية.
خلال قيادات فروع الجمعية المنتشرة في جميع أنحاء إندونيسيا تتواجد الجامعات المحمدية في مناطق عديدةٍ لم تصل إليها جامعاتٌ أخرى. ويجسّد وجودها في هذه المناطق التزام الجمعية المحمدية بتحقيق وصولٍ شاملٍ وعادلٍ إلى التعليم العالي.
ولا يقيّد ارتباط الجامعات بالجمعية قدرتها على التطور والمشاركة على الصعيد العالمي. وتماشيًا مع توجه الجمعية المحمدية لنشر الإسلام ومنظمتها على نطاق أوسع تنسّق الجامعات المحمدية خطواتها أيضًا.
في التصنيف العالمي للجامعات لعام 2017 تصدّرت الجامعة المحمدية بيوجياكرتا المرتبة الأولى في إندونيسيا في مؤشر نسبة أعضاء هيئة التدريس الدوليين مما جعلها من أفضل الجامعات الأهلية القادرة على المنافسة مباشرةً مع الجامعات الحكومية .
يساهم هذا أيضًا في تفتح الجامعات المحمدية آفاقًا عالمية لطلابها. فمن خلال برنامج التنقل الدولي للطلاب الآسيوي لعام 2025 نجحت في الحصول على أعلى تمويل وإرسال أكبر عدد من الطلاب إلى إندونيسيا حيث أرسلت 11 طالبًا للدراسة في كوريا الجنوبية وماليزيا.
فالجامعات المحمدية تكسر الصورة النمطية للجامعات الأهلية. وهذا يضيف قيمةً لا تمتلكها بالضرورة الجامعات الأخرى.
لذا لم تعد الصورة النمطية التي تفرّق بين جودة الجامعات الحكومية والأهلية ذات صلةٍ جوهريةٍ في سياق التعليم العالي اليوم. ينبغي أن يستند تقييم الجامعة إلى معايير الجودة الأكاديمية وجودة الخريجين والمساهمات العلمية والقدرة التنافسية على المستويين الوطني والعالمي.
وفي هذا الصدد، أثبتت الجامعة المحمدية جدارتها كمؤسسات تعليمية متميزة ومتكيّفة ومتطورة. من خلال الإنجازات الأكاديمية المتنوعة والابتكارات وعمل خريجيها وتظهر أن الجودة لا تتحدد بالوضع الحكومي أو الخاص بل بالالتزام بتطوير العلوم وفوائدها للمجتمع الأوسع.





