تضع قرية كوتاغيدي (Kotagede) في شرق مدينة يوجياكرتا (Yogyakarta) وهي من أكبر القرى الإسلامية في هذه المدينة. وكانت تنصهر فيها أيديولوجيات متنوعة. مع ذلك ورغم الاضطرابات التي شهدتها المنطقة بين عامي 1950 و1965 لم تثنِ هذه الاختلافات المجتمع عن التزامه بالتعايش.
خلال تلك الفترة واجهت الجمعية المحمدية تجارب غير سارة كتعطيل فعاليات دعوية مختلفة. إلا أن أعضاء الجمعية المحمدية فضلوا تجنب المواجهة واختاروا بدلاً منها أساليب رأوا أنها تخفف التوترات التي قد تفضي إلى الانقسام.
ومن بين ما يمكن ملاحظته من هذه الأحداث نمو الحركة الفنية التي تجلّت من خلال “سانغار بولوس كونينغ” (Sanggar Bulus Kuning) أي : استوديو “بولوس كونينغ”. وبالتحديد المؤسسة المحمدية للفنون الشبابية التي نمت آنذاك جنبًا إلى جنب مع هيئة الثقافة الشعبية التابعة للحزب الشيوعي الإندونيسي.
قال ياسين عضو الرئاسة البلدية للجمعية المحمدية في كوتاغيدي يوم الأربعاء (28\1) “يذكر ميتسو ناكامورا (Mitsuo Nakamura) وجود العديد من الأعضاء الأوائل للحزب الشيوعي الإندونيسي في كوتاغيدي. شغل بعضهم مناصب عالية. كما كان هناك عدد من الموظفين الحكوميين أو عمال الفضة. هؤلاء هم الأعضاء الأوائل للحزب الشيوعي الإندونيسي في كوتاغيدي”.
الاضطرابات السياسية الوطنية في كوتاغيدي من الخمسينيات إلى عام 1965
شهدت كوتاغيدي خلال الفترة من عام 1950 إلى عام 1965 وضعًا سياسيًا وطنيًا متوترًا. ازداد عدد العمال في المنطقة بعد انتعاشها عقب قمعها بسبب الكساد الاقتصادي في ثلاثينيات القرن العشرين. أصبحت هذه الفئة هدفًا للتعبئة السياسية وخاصة من قبل الحزب الشيوعي الإندونيسي. من جهة أخرى وجّهت الجمعية المحمدية العديد من تطلعاتها السياسية عبر حزب ماسيومي (Masyumi) أي مجلس الشرى الإسلامي الإندونيسي.
فقد شهد الحزب الشيوعي الإندونيسي زيادة ملحوظة في الانتخابات الإقليمية لعامي 1955 و1957. وفي كوتاغيدي تفوّق الحزب الشيوعي الإندونيسي على حزب ماسيومي في الانتخابات الإقليمية.
قال “من عام 1945 إلى عام 1965 كان الحزب الشيوعي الإندونيسي قوة مؤثرة إلى جانب الجمعية المحمدية وحزب ماسيومي. ومن الأمثلة على ذلك انتخابات عام 1955 التي أظهرت أن الحزب الذي حصد أكبر عدد من الأصوات في كوتاغيدي كان الحزب الشيوعي الإندونيسي يليه حزب ماسيومي ثم الحزب الوطني الإندونيسي وحزب نهضة العلماء”.
بعد حلّ حزب ماسيومي عام 1960 وجدت الجمعية المحمدية نفسها في وضع غير مواتٍ. فقد كان يشتبه في كثير من الأحيان بأن أعضاء الجمعية المحمدية يؤوون ناشطين سابقين في الحزب. وأصبح هذا الشك في نهاية المطاف أحد مصادر التوتر بين الجمعية المحمدية والحزب الشيوعي الإندونيسي في كوتاغيدي. في مواجهة هذا الوضع آثرت الجمعية المحمدية عدم التسرع في الرد. فضلاً عن تجنب المواجهة. وقد تحقق ذلك من خلال التركيز على رسالة الدعوة عبر التعليم بالإضافة إلى التواصل الاجتماعي والمجتمعي المستمر.
حضور استوديو بولس كونينغ
لم يقتصر هذا التعايش بين المجتمعات بالديناميكيات المتنوعة على المجال السياسي وأيديولوجياتها المختلفة بل امتدّ ليشمل المجال الثقافي مدفوعًا بشبابها.
رعى الحزب الشيوعي الإندونيسي أنشطته الفنية من خلال معهد الشعب الثقافي. ونظّم جناح الشباب في الحزب بيمودا راكيات (Pemuda Rakyat) وحركة المرأة الإندونيسية (Gerakan Wanita Indonesia) فعالياتٍ منتظمة كعروض الكيتوبراك (Ketoprak) فن الرقص الإندونيسي التقليدي والمسيرات الثقافية لا سيما في منطقتي بومين (Bumen) وبودون(Bodon).
ثم تنافستا في مختلف مجالات النشاط مع جمعية شباب المحمدية وجمعية ناشئة العائشية لشابات المحمدية. كان لديهما وسيلة للدعوة قاموا بها عبر القنوات الثقافية.
من خلال دورهما في كوتاغيدي انخرطوا بفعالية في سانغار بولوس كونينغ. وأصبح مركزًا للأنشطة الثقافية كالمسرح والقصائد والصلوات وغيرها.
اسم “بولوس كونينغ “مشتق من رمز كوتاغيدي : السلحفاة الصفراء المقدسة في سيندانغ سيليرانغ (Sendang Selirang) أي بئر قريب من المسجد الأكبر. تم اختيار هذا الاسم في إطار مسعى للحفاظ على التقاليد المحلية دون التخلي عن القيم الإسلامية.
وأضاف “لم يقتصر الأمر على الحزب الشيوعي الإندونيسي بل شاركت الجمعية المحمدية أيضًا. فقد قدموا عروضًا مسرحية خاصة بالجمعية المحمدية وعروضًا إسلامية. بالإضافة إلى استعراضات وفرقة موسيقية. كانت الفرقة الموسيقية في الواقع إحدى الوسائل التي تنافس بها أعضاء الجمعية المحمدية مع الحزب الشيوعي الإندونيسي في العروض الثقافية. كان الحزب الشيوعي الإندونيسي يقدم عروضًا موسيقية تقليدية واستعراضات لذلك أنشأت الجمعية المحمدية فرقة موسيقية”.
أوضح أن فرقة الطبول ظهرت في البداية لحماية المجتمع خاصةً خلال عيد الفطر وعيد الأضحى.
لا يعدّ استوديو “بولوس كونينغ” أداةً للدعاية السياسية بل توظَّف الثقافة والفنون كوسيلة لتعزيز روح الأخوة بين شباب كوتاغيدي. تعقد جلسات تدريب منتظمة على سبيل المثال في مصلى شارع كيماسان (Kemasan) أو في قاعات منازل السكان. وقد ساهم ذلك في انتشار الإستوديوهات على نطاق واسع حتى بين غير المنتمين إلى الجمعية المحمدية.
مع ذلك لا يزال هذا المسار الثقافي يثير بعض المشكلات. تصاعدت التوترات. خلال عام ١٩٦٤ تكررت مظاهر القوة حاشدةً الشباب والأعضاء والشخصيات السياسية بما في ذلك الجمعية المحمدية والحزب الشيوعي الإندونيسي. في الواقع بدت شوارع كوتاغيدي وكأنها تعجّ بالمسيرات يوميًا تقريبًا.
حتى في فعاليات شباب الجمعية المحمدية كانت المضايقات والاستهزاءات تحدث بشكل متكرر. ومع ذلك كان الرد سلميًا. فقد آثر شباب الجمعية المحمدية تجنبها وطلب من الأعضاء حماية أنفسهم.
بحلول عام ١٩٦٥ ازدادت مظاهر القوة. كان شباب حزب الشيوعي يتدربون عسكريًا بأعداد كبيرة. خلق هذا الوضع شعورًا بالتهديد بين أعضاء الجمعية المحمدية.
مع ذلك حافظ أعضاء الجمعية المحمدية على ضبط النفس. كانت الاحتكاكات التي حدثت متفرقة بشكل عام وسرعان ما تلاشت. اعتبرها المجتمع مجرد ديناميكيات شبابية وليست صراعًا يستدعي التضخيم.
الشيخ محمد خرزين وسبيل الحفاظ على السلام
كما تشير الأبحاث كان الشيخ محمد خرزين الشخصية الأبرز في الجمعية المحمدية آنذاك. شغل منصب رئيس فرع الجمعية المحمدية في كوتاغيدي واشتهر بنشاطه في مختلف الفعاليات المجتمعية بما في ذلك علاقته بالمتعاطفين مع الحزب الشيوعي الإندونيسي .
على الصعيد الشخصي لم يقطع الشيخ خرزين علاقاته رغم اختلاف وجهات نظرهم السياسية. بل وطّد صداقته مع سليم وهو فنان معروف في يوجياكارتا. واتبع هذا النهج لتعزيز العلاقات مع جميع الفئات ومنع الاستقطاب السياسي الذي كان يتصاعد قبيل أحداث عام 1965.
في الواقع بعد مقتل عدّة الجنرالات كان الشيخ خرزين أول شخصية في الجمعية المحمدية تسعى لحماية أعضاء الحزب الشيوعي الإندونيسي السابقين واحتضانهم.
بعد عام 1965 حدثت حملة تطهير. احتضنت الجمعية المحمدية الأشخاص الذين كانوا يبحثون عن الأمان وشعروا بالأمان في ظلها. ثم انضموا إلى حلقات دراسة دينية كما أوضح ياسين.
قال “من هناك ساعدت الجمعية المحمدية بشكل غير مباشر في استيعاب هؤلاء الأعضاء السابقين في الحزب الشيوعي الإندونيسي ودمجهم ضمن حلقات الدراسة الدينية حفاظاً على سلامتهم”.
قبل مقتل عدّة الجنرالات عاش أهالي كوتاغيدي في وئام خلال خمسينيات القرن الماضي. كانت الأنشطة الدينية نشطة ولم يكن الاستقطاب السياسي بارزاً. في ذلك الوقت لم يكن هناك سوى مسجدين رئيسيين هما مسجد ماتارام (Mataram) الكبير ومسجد بيراك (Perak) بالإضافة إلى مصليات صغيرة في القرى.
كانت المصليات تستخدم من قِبل الآباء والأطفال للصلاة ودراسة الدين. وكان المشاركون في دروس الدين للأطفال ينتمون إلى خلفيات متنوعة. بما في ذلك عائلات من أصول إندونيسية ومتعاطفين مع الحزب الشيوعي الإندونيسي. كما اجتذبت حركة الكشافة الشعبية أطفالاً من خلفيات متنوعة وكان بعض المعلمين من الجمعية المحمدية.
في غضون ذلك التحق العديد من أبناء الشخصيات البارزة والمتعاطفين مع الحزب الشيوعي الإندونيسي بمؤسسات تعليمية تابعة للجمعية المحمدية مثل المدرسة المحمدية الابتدائية في بودون (Bodon) والمدرسة المحمدية الابتدائية كليكو (Kleco) ومدرسة المعلمين المحمدية في يوجياكارتا.
قال “في ذلك السياق كان الناس في خطر وكان علينا إيجاد ملاذ آمن. ومن المصادفة أن الحالات الآمنة التي يمكن أن توفر المأوى كانت منظمات دينية. بما في ذلك الجمعية المحمدية والكاثوليكية والمسيحية. لا نعلم إن كانوا قد أجبروا على ذلك شخصيًا أم لا. لكن من الواضح أن السياق كان البحث عن الأمان في أوقات الخطر”.





