يولي نص فقه الحوكمة عند مجلس الإفتاء والتجديد للجمعية المحمدية أهمية بالغة لمبدأ غالباً ما يغفل عنه في خضم التغييرات المتكررة في المناصب العامة وهو التعيين السليم.
مع مرور الوقت يستبدل المسؤولون العموميون واحداً تلو الآخر. بعضهم بسبب انتهاء ولايتهم والبعض الآخر لأسباب أكثر إلحاحاً. المنصب العام ليس ميراثاً ينتقل تلقائياً إلى أقرب الناس إليه. بل هو أمانة يجب أن تعهد إلى الشخص الأنسب.
يؤكد فقه الحوكمة أن التعيين السليم هو أحد المبادئ الثمانية لنظام الحوكمة. يقتضي هذا المبدأ أن تكون عملية شغل المناصب خالية من الممارسات النفعية والتحقيقية حيث يشغل الأفراد مناصب لا تستند إلى كفاءاتهم ومصداقيتهم الأخلاقية.
بدون توظيف سليم سترتكز أركان أخرى من فقه الحكم كالمساءلة والشفافية والرقابة على أسس واهية.
قد وضع الإسلام توجيهات واضحة لكيفية سير عملية تعيين المسؤولين العموميين. قال الله تعالى في الآية 26 من سورة القصاص:
قَالَتْ اِحْدٰىهُمَا يٰٓاَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖاِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْاَمِيْنُ.
ذكر في الآية معياران في آنٍ واحد. أولهما القوة أي الكفاءة والقدرة والخبرة. وثانيهما الأمانة أي النزاهة والأمانة. ولا يمكن فصل هذين المعيارين. فقد يكون المرء قويًا في قدراته ولكنه غير أمين وقد يكون آخر أمينًا ولكنه ضعيف في أداء واجباته. ويتطلب التوظيف السليم توافر كلا المعيارين معًا .
في حديث : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنِ اسْتَغْفَلَ عَامِلًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ وَأَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ. (رواه البيهقي).
يؤكد هذا الحديث أن التعيين مسألة دينية وليست مجرد إدارة. فكل من شارك في عملية تعيين المسؤولين يتحمل مسؤولية أخلاقية أمام الله.
غالباً ما ينظر إلى تغييرات المسؤولين من منظور قانوني شكلي فقط. يصدر خطاب القرار ويدرج الاسم الجديد وتعتبر العملية منتهية. لكن ما يغفل هو ما إذا كان المعين الجديد قد خضع فعلاً لعملية اختيار دقيقة. وما إذا كانت كفاءته قد ثبتت وما إذا كان سجله يظهر نزاهة لا تشوبها شائبة. أم أن هذه العوامل تطغى عليها عوامل أخرى كالعلاقات الشخصية والولاء السياسي أو حتى سهولة الإجراءات؟
يقول الله تعالى في الأية 58 من سورة النساء :
۞ اِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ اَنْ تُؤَدُّوا الْاَمٰنٰتِ اِلٰٓى اَهْلِهَاۙ وَاِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ اَنْ تَحْكُمُوْا بِالْعَدْلِ ۗ اِنَّ اللّٰهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهٖ ۗ اِنَّ اللّٰهَ كَانَ سَمِيْعًاۢ بَصِيْرًا
نزلت هذه الآية في سياق القيادة. ويشرح علماء التفسير أن إسناد الأمانة إلى الخبراء يشمل كل منصب ومسؤولية عامة. إن وضع شخص في منصب لا يتناسب مع قدراته يعد انتهاكًا صريحًا لأمر الله.
حذّر النبي محمد صلى الله عليه وسلم في حديث :
إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ (رواه البخاري)
إن التحذير في هذا الحديث واضحٌ جليّ فالهلاك المذكور لا يأتي حتمًا.
على شكل انفجار هائل. وقد يتجلى هذا الدمار في تدهور الخدمات العامة وسياسات غير فعّالة وبرامج تفشل في تحقيق أهدافها وتآكل تدريجي لثقة الجمهور.
يلزم مبدأ العدل في القرآن الكريم بأن تبنى كل سياسة بما فيها سياسات التوظيف على الحق لا على المصالح الجماعية أو الانتماءات الشخصية.
قال تعالى : يٰٓاَيُّهَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا كُوْنُوْا قَوَّامِيْنَ لِلّٰهِ شُهَدَاۤءَ بِالْقِسْطِۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَاٰنُ قَوْمٍ عَلٰٓى اَلَّا تَعْدِلُوْا ۗاِعْدِلُوْاۗ هُوَ اَقْرَبُ لِلتَّقْوٰىۖ وَاتَّقُوا اللّٰهَ ۗاِنَّ اللّٰهَ خَبِيْرٌۢ بِمَا تَعْمَلُوْنَ (سورة المائدة: ٨).
لذلك كلما شغر منصب عام يجب أن يكون السؤال الأول والأخير واحدًا : هل هذا الشخص هو الأفضل والأقوى والأكثر جدارة بالثقة من بين المتاحين ؟ إذا كانت الإجابة بالنفي فإن العملية قد ولّدت خيانات جديدة كما هو مبيّن في فقه الحكم.
لا يملك الناس إلا انتظار الدمار الذي وعد به النبي مع أن هذا الدمار يأتي ببطء وغالبًا لا يدرك إلا بعد الأوان.
المرجع:
الرئاسة المركزية للجمعية المحمدية “فقه الحوكمة” في الأحبار الرسمية للمحمدية : العدد ٠٦/٢٠١٠-٢٠١٥/رمضان ١٤٣٥هـ/يوليو ٢٠١٤م.





