إن الحديث عن وحدة المجتمع المسلم ليس بالأمر الهين. فمسألة وحدة المسلمين في إندونيسيا مشكلة قديمة متجددة باستمرار. إذ قد تنشأ من اختلاف الآراء وتتطور إلى نزاعات ثم تطول أمدها.
من القصص المعروفة منذ بدايات تأسيس الجمعية المحمدية أن هذه المنظمة كانت لا تنفصل عن الصراعات الناجمة عن اختلاف وجهات النظر. وقد أدى تغيير الشيخ أحمد دحلان لاتجاه القبلة إلى هدم مسجده الصغير لأن الناس رأوه مخالفًا لكبار العلماء آنذاك.
غالبًا ما تؤدي هذه الاختلافات في الرأي إلى مقاومة شرسة تتراوح بين التخريب واستخدام بعض الصور النمطية. فقد أدت أفكار الشيخ أحمد دحلان حول نظام تعليمي حديث على النمط الغربي كاستخدام المكاتب والكراسي والسبورات ومنهج المعرفة العامة إلى وصفه بالتشبيه بالكفار. بل وحتى وصفه بأنه كفر.
لم تكن هذه التوترات حكرًا على الجمعية المحمدية. فقد نشأت اختلافات في وجهات النظر بين المنظمات الإسلامية من نقاشات حول الفروع والتي أصبحت فيما بعد بذورًا للانقسام والشقاق.
علاوة على ذلك فاقم تخلف المسلمين مقارنة بالدول الغربية في أوائل القرن العشرين مخاوف علماء الدين الإندونيسيين. وأصبحت حركة التجديد الإسلامي في إندونيسيا معقدة وزاد من تعقيدها الضغط الاحتلالي الهولندي.
لحظات الوحدة
وسط الانقسام والشقاق بين المسلمين برز تهديدان خارجيان كعاملين موحدين. أولًا حادثة التجديف في صحيفة “هوكياو” اليومية التي أساءت إلى النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وكتابة القس ج. ج. تين بيرج في مجلة “ستودين” عام ١٩٣١ والتي أثارت غضبًا واسعًا وأدت إلى ظهور لجان الإسلام في مدن مختلفة.
ثانيًا خطة حكومة جزر الهند الشرقية الهولندية لسنّ قانون الزواج المدني عام ١٩٣٧ وقانون خاص بالمعلمين الدينيين ونقل سلطة الميراث من المحاكم الدينية إلى المحاكم المحلية. واعتبر هذا التدخل تهديدًا للشريعة الإسلامية ما دفع المنظمات الإسلامية إلى التوحد ضد حكومة جزر الهند الشرقية الهولندية.
كانت لجان الإسلام التي ظهرت في مدن مختلفة في البداية مؤقتة ورد فعل إذ شكّلت استجابةً لقضايا التجديف آنذاك. مع ذلك فتحت هذه التجربة المجال للتعاون بين المنظمات الإسلامية التي كانت تتباين آراؤها سابقًا حول عدد من المبادئ الإسلامية.
كان من بين هؤلاء الشخصيات الشيخ ماس منصور. فقد أدت مهاراته التنظيمية وعلاقاته الوثيقة بشخصيات من مختلف المنظمات بما في ذلك الشيخ وهاب حسب الله إلى دخول الشيخ ماس منصور في فترة من الاضطرابات الداخلية التي أثارت مخاوف بالغة بشأن الانقسام المستمر في المجتمع المسلم.
قد دفع هذا الوعي العديد من المنظمات الإسلامية التي كانت على خلاف في كثير من الأحيان إلى البدء في استكشاف فكرة تحويل تضامنها المتباين من خلال المؤتمرات إلى اتحاد دائم.
ثم بمبادرة من أربع علماء : الشيخ ماس منصور من الجمعية المحمدية و الشيخ وهاب حسب الله و الشيخ محمد دحلان من جمعية نهضة العلماء ووندوآميسينو من حزب الاتحاد الإسلامي الإندونيسي أدت الحاجة إلى منظمة دائمة إلى تأسيس المجلس الإسلامي الأعلى لإندونيسيا. تأسس في سورابايا في 21 سبتمبر 1937.
رحلة مجلس الإسلام الأعلى الإندونيسي
نما عدد أعضاء مجلس الإسلام الأعلى الإندونيسي بسرعة. انطلق المجلس من سبع منظمات مؤسسة ليضم بحلول عام ١٩٤١ اثنتين وعشرين منظمة إسلامية وخمس عشرة منظمة عضوية وسبع منظمات استثنائية. ولم يقتصر دور المجلس على كونه منتدى للنقاش فقط. بل أنشأ أيضًا شبكة من بيوت المال (الأوقاف الإسلامية) في خمس وثلاثين مقاطعة في جاوة لإدارة الزكاة ومساعدة الفقراء ودعم العمل الإسلامي.
مع الأسف لم تكن مسيرة هذا المجلس سلسة دائمًا. فقد أثرت المنافسة الداخلية على التمثيل في المؤتمرات والنقاشات حول رفض وجود الجماعة الأحمدية في هذا المجلس. علاوة على ذلك خلال الاحتلال الياباني قيدت أنشطة المنظمات الإسلامية ومنعت.
مع ذلك أصبح هذا المجلس منظمة حركة وطنية مرخص لها بممارسة أنشطتها. وكان السبب وراء هذا الترخيص هو حاجة اليابان إلى دعم المسلمين الإندونيسيين.
أن اليابان كانت تدرك تمامًا خصائص المسلمين الإندونيسيين الذين استاؤوا من الحكم الهولندي. استغلت اليابان هذا الاستياء لكسب التأييد بنشر شعارات معادية للغرب وإطلاق حركة “الألف الثلاثة”: اليابان نور آسيا واليابان حامية آسيا واليابان قائدة آسيا.
بذلك أرست اليابان أيضاً أسس ما سمّي بسياسة اليابان الإسلامية الشعبية وهي سياسة يابانية تهدف إلى استغلال الشخصيات الإسلامية وتنظيم المسلمين والعلماء على مستوى القرى وتطبيق سياسة مكتب الشؤون الدينية الذي تناول شؤون الدين العامة.
إلا أن مكتب الشؤون الدينية لم يحقق النتائج المرجوة من اليابانيين. وبدلاً من ذلك استمرت حملة بيت المال التي أدارتها الجمعية الإسلامية الإندونيسية بنشاطٍ متواصل حيث جمعت الأموال ووزعت الزكاة والصدقات دون تدخل من المكتب.
بعد أن رأى اليابانيون أن مجلس الإسلام الأعلى الإندونيسي لم يخدم مصالح الحكومة المحتلة قاموا بحلّه في أكتوبر ١٩٤٣.
دور الشيخ ماس منصور في المجلس
لم يكن ماس منصور شخصيةً جديدةً في شبكة الحركة الإسلامية عند تأسيس الجمعية. ولد في سورابايا عام ١٨٩٦ لعائلةٍ من مدرسة سيدورسمو الإسلامية ودرس في مدرسة ديمانجان بانجكالان الإسلامية تحت إشراف الشيخ خليل ثم سافر إلى مكة المكرمة وجامعة الأزهر في القاهرة.
بعد عودته من مصر حمل معه روح الوطنية والتجديد. كان ناشطًا كمستشارٍ لجمعية شريكات إسلام وشارك في تأسيس مجلس الحوار “تصوير الأفكار” مع الشيخ وهاب حسب الله وأصبح فيما بعد نواة جمعية نهضة العلماء وأصدر العديد من المجلات الإعلامية مثل “سوارا سانتري” و “وكوان كيتا”.
انضم الشيخ ماس منصور إلى الجمعية المحمدية كعضو عام ١٩٢١ وانتخب لاحقًا رئيسًا لها عام ١٩٣٧. وكان معروفًا سابقًا بأنه أحد الشخصيات التي اقترحت تأسيس مجلس الإفتاء في المؤتمر السادس عشر للقمة المحمدية في بيكالونجان عام ١٩٢٧.
إلا أن إرث منصور لم يقتصر على الجمعية المحمدية فقط. فخلال قيادته لها أظهرت أنشطته اهتمامًا متزايدًا بقضايا المجتمع والحياة الوطنية الأوسع. ومن أبرز إرثه مشاركته في تأسيس مجلس الإسلام الأعلى الإندونيسي وتأسيس الحزب الإسلامي الإندونيسي عام ١٩٣٨.
نجح مجلس الإسلام الأعلى الإندونيسي في أن يكون منبرًا يوحد وجهات النظر المختلفة للمنظمات الإسلامية الحديثة والتقليدية كما شكّل منصةً للتعبير عن مصالح المسلمين في معالجة مختلف القضايا المهمة.
تبرز أهمية دور الشيخ ماس منصور إذ كان عضوًا في الجمعية المحمدية ولكنه في نفس الوقت كان منخرطًا في فضاءات مشتركة مع شخصيات من منظمات إسلامية أخرى. يظهر هذا السجل الحافل ميل الشيخ ماس منصور إلى بناء علاقاتٍ عابرةٍ للمنظمات عندما كانت المصالح الأوسع نطاقًا التي تصبّ في مصلحة المجتمع على المحك.
قد تجلّى مفهوم الوحدة هذا أيضًا في فترة قيادته للجمعية المحمدية حيث أصدر الشيخ الخطوات الاثنتي عشرة للمحمدية. نشرت هذه الخطوات في كتاب “تفسير خطوات الجمعية المحمدية” عام ١٩٣٩.
لم تكن الوحدة في فكر الشيخ ماس منصور مجرد فكرةٍ مجردة بل تجسّدت في أسلوب بناء المنظمة لعلاقاتها مع الآخرين. وكان توحيد الحركات الخارجية أحد الأساليب التي أظهرت أن الجمعية المحمدية خلال فترة قيادته شجّعت على عدم العمل بمعزلٍ عن الآخرين. بل على إقامة علاقاتٍ مع مختلف المنظمات والحركات الإسلامية.
يعدّ دور الشيخ في تأسيس مجلس الإسلام الأعلى الإندونيسي دليلاً على أن وحدة المسلمين في إندونيسيا لم تنشأ من فراغ. بل تشكّلت بفضل شجاعة تجاوز الحواجز بين المنظمات الفردية لمواجهة تهديد مشترك وهو الاحتلال.
تمثّل تجربة مجلس الإسلام جزءًا من تاريخ طويل من توحيد المنظمات الإسلامية التي تطورت لاحقًا في السياق السياسي بعد الاستقلال. في مبنى مدرسة المعلمين المحمدية في يوجياكارتا تجسّدت روح هذا الاتحاد في صورة جديدة مع تأسيس الجمعية الاستشارية الإسلامية الإندونيسية (Masyumi) في 7 نوفمبر 1945.
وبينما مثّل مجلس الإسلام منبرًا لجمع المنظمات الإسلامية خلال الحقبة الاحتلالية يمثّل تطور الجمعية الاستشارية بعد الاستقلال فصلاً آخر في مسيرة التوحيد هذه. توجد كلتا المنظمتين في سياقات تاريخية مختلفة إلا أنهما تظهران الحاجة إلى إيجاد أرضية مشتركة بين مختلف القوى الإسلامية.
في هذه المرحلة تكتسب إرث الشيخ ماس منصور أهميته. لم تنبع الوحدة التي بناها من محاولةٍ لإزالة الاختلافات بل من شجاعة الجمع بين فئاتٍ متنوعةٍ لتحقيق مصالح أوسع. يظهر عمل الشيخ ماس منصور أن العمل التنظيمي يمكن توسيعه من خلال العلاقات والتعاون مع حركاتٍ أخرى.
لا يقتصر هذا المسار على الشيخ ماس منصور فقط. بل يتجاوز ذلك إلى وحدة الشعب التي سعي إليها عبر عمليةٍ طويلة: بناء الثقة وإتاحة مساحةٍ للحوار ثم إيجاد مصالح مشتركة وسط الاختلافات.
المراجع
Arjanto, D. (2022, April 25). Kiai Mas Mansur, Empat Serangkai dan Muhammadiyah. tempo.co. https://www.tempo.co/politik/kiai-mas-mansur-empat-serangkai-dan-muhammadiyah-364410
Benda, H. J. (1980). Bulan Sabit Dan Matahari Terbit: Islam Indonesia Pada Masa Pendudukan Jepang. Pustaka Jaya.
Cheng Ho, M. (2016, Februari 2). MIAI: Wadah Ukhuwah Islamiyah. Hidayatullah.com. https://hidayatullah.com/kajian/sejarah/2016/02/02/88567/miai-wadah-ukhuwah-islamiyah-1.html
Ilham. (2021, Agustus 18). KH. Mas Mansoer, Pahlawan Nasional dari Muhammadiyah. muhammadiyah.or.id. https://muhammadiyah.or.id/2021/08/kh-mas-mansoer-pahlawan-nasional-dari-muhammadiyah/
Noer, D. (1980). Gerakan Modern Islam di Indonesia, 1900-1942. Lembaga Penelitian, Pendidikan dan Penerangan Ekonomi dan Sosial.
Rizal, A. N. (2014). Pergerakan Islam Indonesia Masa Jepang (1942-1945). Indo-Islamika, 4(2).
Suwarno. (2015). MUHAMMADIYAH DAN MASYUMI DI YOGYAKARTA, 1945-1960. Patrawidya, 16(3), 407-408.



Discussion about this post