برز الجدل مؤخرًا حول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني. يشكك بعض منتقديه في أهليته للقب محدث زاعمين أنه سلك مساره التعليمي الخاص. في المقابل يقرّ مؤيدوه بقدراته العلمية من خلال مؤلفاته وتقييماته للحديث.
في خضم هذا الجدل يبرز سؤال مهم : كيف تنظر الجمعية المحمدية خاصة مجلس الإفتاء والتجديد لها إلى إسهامات هذا العالم الألباني في الحديث؟
تتيح هذه البيانات فرصةً لدراسة مكانة الألباني دراسةً أكثر دقة بدلاً من الانشغال بنقاشاتٍ تقتصر على قبول شخصيته أو رفضها.
ورد ذكر اسم الشيخ الألباني صراحةً في 22 ووثائق مجلس الإفتاء والتجديد للجمعية المحمدية. تبيّن هذه البيانات أن العلاقة العلمية بين مجلس الإفتاء والشيخ الألباني يمكن تفسيرها من خلال ثلاثة أنماط: أولاً قبول أحكامه في الأحاديث عندما تتوافق مع دراسات مجلس الإفتاء. ثانياً النظر في أحكامه إلى جانب آراء علماء آخرين. ثالثاً التوصل إلى استنتاجات مختلفة بناءً على دراسة سلاسل النقل أو فهم الأدلة.
تظهر هذه الأنماط الثلاثة أن احترام المرجع العلمي يمكن أن يسير جنباً إلى جنب مع استقلالية الاجتهاد.
أولًا قبول أحكام الشيخ الألباني كمرجع
في عدد من المسائل استخدمت تقييمات الشيخ الألباني للمساعدة في تحديد جودة الحديث الذي بنيت عليه الفتوى. فعلى سبيل المثال استخدم الحديث المتعلق بالحكام الظالمين في فتوى مجلس الإفتاء رقم 3 لسنة 2019 بعد أن أقرّ الشيخ الألباني صحت الحديث.
كما وردت تقييمات لأحاديث تتعلق بصلاة التراويح والصفوف التي تعيقها الأعمدة والخدام الذين يحملون العصي والتوصية بترك الأعمال غير المجدية.
في حالة الرشوة عزز تقييم الشيخ الألباني إلى جانب تقييم شعيب الأرناؤوط للحديث يدين كلًا من دافع الرشوة ومتلقيها حجة الفتوى. في مسائل أخرى استخدمت تعليقاته لدراسة الروايات المتعلقة بالعقيقة والأحاديث المتعلقة بحدود عورة الوجه.
يظهر هذا النهج انفتاح مجلس الإفتاء على بحوث العلماء من خارج الجمعية المحمدية. ينظر إلى عمل الشيخ الألباني كمصدر معرفي يمكن الاستعانة به لدراسة الحديث ومعالجة المسائل الدينية. ويقيّم إسهام العالم من خلال عمله وحججه ونتائج بحثه. لذا فإن اختلاف المسارات التعليمية لا يقلل بالضرورة من قيمة الإسهام العلمي.
ثانيًا ينبغي النظر إلى الشيخ الألباني جنبًا إلى جنب مع علماء آخرين
في دراسة الحديث قد يختلف رأي عالم عن رأي آخر. لذلك يجب وضع رأي الشيخ الألباني في سياق نقاش علمي أوسع. ومسألة الحديث المتعلق بصيام الأيام التسعة الأولى من ذي الحجة مثال على ذلك. اعتبر الشيخ الألباني الرواية ضعيفةً نظرًا لظروف أحد رواتها. في المقابل قدّم ابن حبان وشعيب الأرناؤوط تقييمًا مختلفًا.
في مثل هذه الحالات تصبح الاختلافات في الرأي جزءًا من الاعتبارات العلمية. يتطلب تحديد جودة الحديث فحص السند أو سلسلة الرواة وظروف الرواة ومجمل الروايات المتوفرة. يعدّ رأي الخبير مهمًا لكن يجب أن يراعي الاستنتاج النهائي قوة الأدلة والحجج المقدّمة.
يبيّن هذا النمط أيضًا أن وضع الشيخ الألباني في سياقه الصحيح يقرّ بخبرته دون اعتبار حكمه حكمًا نهائيًا في جميع المسائل. يمكن أن يكون رأيه مرجعًا مهمًا مع إمكانية مقارنته بأبحاث العلماء الآخرين.
ثالثًا استخلاص استنباطات مختلفة
تظهر أبرز الاختلافات عندما يكون لدى مجلس الإفتاء أسباب منهجية لعدم اتباع تقييم الشيخ الألباني. فيما يتعلق بالحديث الخاص بالتسبيح أثناء الركوع والسجود على سبيل المثال. اعتبر الشيخ الألباني الحديث المتعلق بعدد التسبيحات ضعيفًا. أما مجلس الإفتاء فقد فحص عدة رواة ورأى إمكانية تضافرها. وبدراسة جميع الروايات توصل المجلس إلى استنباط الحكم مختلف.
تظهر اختلافات أيضًا في مسألة الصور والتصوير الفوتوغرافي. يعرف عن الشيخ الألباني موقفه الحازم ضد تصوير الكائنات الحية. حيث ينظر مجلس الإفتاء في الأحاديث التي تحظر تصوير الناس. وينظر المجلس في الغاية من استخدام الصور والأسباب الشرعية وراء تحريمها. ويراعى في مناقشة الصور أغراضٌ مختلفة كالعبادة والتعليم والزينة.
يبين هذا الاختلاف أن المسائل الشرعية لا تحسم دائمًا بتحديد صحة الحديث أو عدم صحته. ففهم مضمون الحديث وسياق تطبيقه والأسباب الشرعية له دورٌ في عملية التأويل الشرعي. ولذلك قد يتوصل طرفان يستخدمان الدليل الشرعي نفسه إلى استنتاجات مختلفة لاختلاف مناهجهما.
توضح هذه الأنماط الثلاثة أن مجلس الإفتاء لا يقرّ برأي الشيخ الألباني إقرارًا مطلقًا أو يرفضه رفضًا قاطعًا. بل يعتمد رأيه إذا ما اقترن بنتائج البحث ويقارن بآراء غيره من العلماء عند وجود اختلاف ولا يعتمد إذا ما كان لدى مجلس الإفتاء أسباب منهجية تدعو إلى استنباط مختلف.
لا تقديس للشخصيات ولا تقليد للمدارس
لا يجوز قبول رأي أي عالم دون تمحيص. فاحترام شخصية ما لا يعني اعتباره صاحب الحقيقة المطلقة بل يحترم العلماء لعلمهم وإسهاماتهم مع بقاء آرائهم قابلة للتمحيص بناءً على الأدلة والحجج.
ينطبق هذا المبدأ على الشيخ الألباني كما ينطبق على غيره من العلماء من مختلف الأجيال والمدارس العلمية.
يرتبط هذا النهج بجوهر الاجتهاد الجماعي الذي طورته الجمعية المحمدية. فتبنى قرارات المجلس على الحوار الجماعي مع مراعاة الأدلة وآراء العلماء ومنهج الاستنباط. وبهذا لا تعتمد القرارات الدينية على شخصية الفرد أو شعبيته.
يقبل رأي العالم إذا كان دليله قويًا ويعتبر رأيًا واحدًا عند وجود اختلافات ويرفض إذا أشارت نتائج الدراسة إلى نتيجة مختلفة.
وبالمثل فإن علاقة الجمعية المحمدية بالمذاهب الفقهية الإسلامية أمرٌ جدير بالدراسة. فموقف الجمعية المحمدية المتمثل في عدم الانحياز إلى مذهبٍ واحد لا يعني تجاهل التراث العلمي لأئمة ذلك المذهب. إذ تبقى آراؤهم كنزًا ثمينًا يمكن دراسته والتمعن فيه.
ومع ذلك لا يصبح رأي أي مذهبٍ فقهيٍّ حكمًا نهائيًا دون دراسةٍ متأنيةٍ لأدلته وحججه. فنهجها هو اتباع هدي القرآن والسنة من خلال اجتهادٍ مسؤول.
وفي هذا السياق يمكن وضع الشيخ الألباني في مكانته اللائقة. فإسهاماته في نقد الحديث جديرةٌ بالدراسة والاستخدام مع بقاء آرائه قابلةً للنقاش والتحليل. وهذا الموقف النقدي ليس إنكارًا لسلطة العلماء. بل هو جزءٌ من المسؤولية العلمية.






Discussion about this post