ينظر إلى الفساد على أنه شكل من أشكال الإخلال بالنظام الاجتماعي يتجاوز مجرد السرقة. ولذلك فإن نظام العقوبات عند الإسلام شامل ويشمل أبعادًا دنيوية وأخروية.
والأساس الرئيسي لجميع عقوبات المفسدين إلى مفهوم التعزير وهو السلطة التقديرية الممنوحة للحاكم أو القاضي لتحديد نوع العقوبة وشدتها بما يحقق أكبر أثر رادع.
فالتعزير شكل من أشكال العقوبة غير محددة تحديدًا دقيقًا في القرآن والسنة ولذلك تترك سلطته للقاضي أو الحاكم، مع مراعاة جسامة الجريمة وتأثيرها على المجتمع.
فيتخذ التعزير أشكالاً متعددة من العقوبات في الفساد. تتراوح بين التوبيخ الشديد وعزل الجاني من منصبه وإعلان الفضيحة علنًا ووصولًا إلى السجن لمدد طويلة. حتى في بعض الظروف العصيبة كالفساد الممنهج الذي يسبب أزمة كبرى يجيز بعض علماء الإسلام عقوبة الإعدام حفاظًا على المصلحة العامة.
فالمبدأ الأساسي للتعزير هو العدل والردع لضمان عدم تكرار الجاني لأفعاله وعدم تقليد الآخرين له.
إلى جانب العقوبات الدنيوية يؤكد الإسلام أيضًا على وجود عقوبات أشدّ في الآخرة. قال الله تعالي في القرآن الكريم: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ۚ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (سورة آل عمران: ١٦١).
تبين هذه الآية أن المال المختلس لا يزول بل يصبح مسؤولية أمام الله. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَغُلُّ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَىٰ رَقَبَتِهِ (رواه البخاري ومسلم).
يؤكد هذا المثل أن الفساد فساد في الدنيا والآخرة.
علاوة على ذلك توجد عقوبات أخلاقية واجتماعية لا تقل أهمية. ففي روايات عديدة اتخذ النبي محمد صلى الله عليه وسلم موقفًا حازمًا ضد مرتكبي الاختلاس فامتنع عن صلاة الجنازة ليكون عبرة للمجتمع. يبيّن هذا أن الفساد يلحق الضرر بشرف الفرد في مجتمعه.
يهدف هذا النوع من العقاب الاجتماعي إلى بناء وعي جماعي بأن الفساد فعلٌ مشين يجب تجنبه جميعًا.
من جهة أخرى يشدد الإسلام أيضًا على أهمية ردّ الأموال المكتسبة بالفساد. ويعتقد العلماء عمومًا أن مرتكبي الفساد ملزمون برد الأموال المسروقة حتى لو قضوا عقوبتهم.
ذلك لأن الفساد لا ينتهك حقوق الله فحسب. بل حقوق جميع البشر. قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم:
مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ غِرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ (رواه أبو داود والترمذي).
وردّ هذه الأموال جزءٌ من العدالة إذ يجب تعويض الخسائر المتكبدة سواءً للفرد أو للدولة بصفتها ممثلةً للمصلحة العامة.
فيما يتعلق بالتوبة والمغفرة يفتح الإسلام باباً لكل مُذنب للعودة إلى الله. يقول الله تعالى:
فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ (سورة المائدة: ٣٩).
مع ذلك في حالات الفساد لا تسقط التوبة تلقائيًا العقاب الدنيوي. لأن هذه الجريمة مرتبطة بحقوق الآخرين. ويجب أن تتجلى التوبة في رد الأموال والندم الصادق والتعهد بعدم تكرار الفعل.
قد يكون العفو من الطرف المتضرر اعتبارًا أخلاقيًا ولكنه لا يلغي بالضرورة التبعات القانونية الواجبة تحقيقًا للعدالة العامة.
لذا ينظر الإسلام إلى معالجة الفساد نظرة شاملة من خلال عقوبات التعزير الصارمة والتهديد بعقوبات شديدة في الآخرة والضغط الأخلاقي والاجتماعي ووجوب رد الأموال وفرصة التوبة المتاحة.
يبين هذا النظام برمته أن الفساد جريمة خطيرة يجب مكافحتها بمنهج قانوني وأخلاقي وروحي متكامل.
المرجع:
مجلس الإفتاء والتجديد للجمعية المحمدية, “فقه مكافحة الفساد : في منظور علماء المحمدية” , يوجياكارتا: مركز دراسات الدين والحضارة, 2006.





