حان الوقت لتوزيع بركات الحج من الأرض المقدسة على أرض الوطن
بقلم: وحيودي ناصوتيون
عضو مجلس تمكين المجتمعات للجمعية المحمدية
في كل موسم الحج يتوافد ملايين المسلمين من شتى أنحاء العالم إلى الأراضي المقدسة. ويشكل الحجاج الإندونيسيون دائمًا العدد الأكبر بينهم. إنه مصدر فخر وثقة عظيمة. وسط هذا الحشد الهائل نؤدي سلسلة من العبادات.
مع ذلك ثمة ممارسة نؤديها غالبًا دون تأمل عميق في معناها وهي ذبح الأضاحي. وحتى الآن كنا نفهم أن الحج يؤدى في الأراضي المقدسة وفقًا لأحكام الفقه الإسلامي المتوارثة عبر الأجيال.
هذا الرأي راسخ ومعتمد لدى جمهور العلماء وفي إندونيسيا يقرّه مجلس العلماء الإندونيسي كمرجع رسمي للمسلمين. لذا فهو جدير باحترامنا كجزء من المرجع الإسلامي المعتمد.
لكن اليوم تغير الزمن. لم يعد تنظيم الحج كما كان في السابق. تستورد أضاحي الحج من دول مختلفة وتذبح في مسالخ حديثة بعيدة عن منى ثم يجمد لحمها ويعبأ ويوزع في جميع أنحاء العالم. هذا يعني أن الحج من البداية إلى النهاية أصبح جزءًا من منظومة عالمية معقدة ومنظمة.
من جهة أخرى لا تزال الظروف الاجتماعية تستدعي تعاطفنا. تظهر أحدث بيانات المكتب المركزي للإحصاء أنه بحلول سبتمبر 2025. سيظل هناك ما يقارب 23.36 مليون شخص يعانون من الفقر أي ما يعادل 8.25% من إجمالي سكان إندونيسيا. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات بل هي صورة حقيقية لإخواننا الذين ما زالوا يكافحون لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
علاوة على ذلك تفاقم الكوارث الطبيعية المتكررة معاناة الفئات الأكثر ضعفًا. في هذه اللحظة يلحّ علينا سؤال بسيط وعميق “أليس من الأجدر أن يشعر إخواننا في وطننا بفوائد ذبح الأضاحي بشكل مباشر تحقيقًا لغايات العبادة؟”
في هذا السياق من الضروري طرح اجتهاد جديد ومناسب للظروف مفاده إمكانية تنفيذ ذبح الأضاحي في إندونيسيا بإدارة موثوقة وتوزيع موجّه. هذا الاجتهاد ليس نابعًا من مجرد رغبة في التيسير بل من جهد صادق لتوفير فوائد أوسع وتلبية الاحتياجات الحقيقية للمجتمع وإحياء روح العبادة في المجتمع.
يقول الله تعالى:
“لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِين.
(سورة الحج: 37).
تؤكد هذه الآية أن جوهر العبادة ليس مجرد مظهرها الخارجي بل قيمة التقوى التي تنبع منها. يقول الله تعالى أيضًا:
﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (سورة الحج: 28).
هنا نجد أن الضحية ليست مجرد طقس بل هي أيضًا طريق للمشاركة وطريق للتعاطف وطريق لتحقيق العدالة الاجتماعية. تخيلوا لو أن ملايين الحجاج الإندونيسيين أدوا الضحية في أرض الوطن. كم عدد الأسر الفقيرة التي ستساعد وكم عدد المناطق المتضررة من الكوارث التي ستغطى وكم عدد المزارعين والمنتجين المحليين الذين سيتم تمكينهم؟
إذن حان الوقت لبناء الوعي المشترك بأن الضحية لم تعد مجرد واجب بل تتحول إلى حركة إحسان حقيقية.
احترام الاختلافات وتعزيز الوحدة
نحن بالطبع نحترم اختلاف آراء العلماء. فمن يختار أداء الضحية في الحرم المكي فهذا اختيار شرعي في إطار الفقه. ولكن بالنسبة لمن يرى الحاجة الكبيرة في البلاد والمنافع الواسعة التي يمكن تحقيقها ووجود أساس اجتهادي قوي فإن أداء الضحية في أرض الوطن هو اختيار واع ونبيل ويحقق مصلحة الأمة. لذا فإن هذا الاختلاف ليس للتنازع بل للشكر على سعة رحمة الإسلام.
اليوم نقف عند مفترق طرق الزمن. فالحج لم يعد قاصرا على فضاء ضيق بل يتصل بواقع عالمي واحتياجات أمة متزايدة التعقيد. لدينا فرصة لتقديم عبادة لا تنتهي في منى. بل تتدفق إلى القرى إلى نواحي البلاد إلى أيدي إخواننا في أرض الوطن.
القاعدة الفقهية تقول “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة” أي أن سياسة الحاكم تجاه شعبه يجب أن تقوم على المصلحة. فاختيار أين تؤدى الضحية ليس مجرد مسألة مكان بل أيضا مسألة إلى أين سنوجه الرحمة.
من أرض الحرم يمكن للحجاج أن يختاروا ما إذا كانت البركة ستتوقف عند أرض الحرم أو ستتدفق إلى بلدهم. نسأل الله تعالى أن يتقبل جميع أعمالنا ويكمل حجنا ويجعله حقا طريقا لتحقيق الرحمة للعالمين. آمين يا رب العالمين.





