يوجياكارتا – أكد رئيس مجلس الإفتاء والتجديد للجمعية المحمدية أستاذي حمزة أن الإيمان بوجود الله في الإسلام له أساس فلسفي وعقلاني وعلمي متين.
عرض هذا الرأي في حلقة نقاش رسالة العقيدة الإسلامية للجمعية المحمدية في يوجياكارتا يوم الأربعاء (٢٩\7).
أوضح أن التراث الفكري الإسلامي منذ القدم قد طوّر العديد من الحجج العقلانية لتأكيد وجود الله. أسس فلاسفة مسلمون مثل الكندي والفارابي وابن سينا وابن باجة وابن طفيل وابن رشد تقليدًا فلسفيًا إلهيًا وذلك بتطويرهم فكرة أرسطو عن العلة الأولى إلى مفاهيم فريدة في الفلسفة الإسلامية كالعلة الأولى والباري وواجب الوجود.
يرى أن هذا الإرث الفكري يظهر أن النقاشات حول الألوهية في الإسلام لا تقتصر على مجرد جوانب الإيمان بل تتطور أيضًا من خلال الحوار بين الوحي والعقل والتجربة الإنسانية.
خمس حجج لإثبات وجود الله
حدد خمس حجج رئيسية تستخدم في الفلسفة لإثبات وجود الله وهي الوجودية والكونية والغائية والأخلاقية والتجربة الدينية.
وتبين الحجة الوجودية أن وجود الله ضرورة. من هذا المنظور يفهم الله على أنه كائن واجب الوجود مستقل عن أي علة. وقد طوّر ابن سينا هذه الفكرة بتفصيل ثم أثراها لاحقًا كلٌ من الملا صدرا ومحمد إقبال.
يتفق هذا المفهوم مع تأكيد القرآن الكريم على أن الله هو الأول والآخر مستقل عن كل شيء. ولذلك يفهم وجود الله على أنه وجود جوهري بينما تعدّ جميع المخلوقات كائنات نسبية.
ينبع الاستدلال الكوني من حقيقة الحركة والتغير الدائمين للكون. ويرى أن جميع الديناميكيات الطبيعية تظهر وجود “محرك أول” لا تحركه أي قوى خارجية. وفي المنظور الإسلامي هذا المحرك الأول هو الله الخالق والمدبر للكون بأسره.
وأوضح أن هذا المفهوم يشكّل أيضًا أساس فهم حدّ العالم أي أن للطبيعة بداية وبالتالي فهي تتطلب وجودًا سابقًا. وهكذا فإن الطبيعة جديدة بينما الله أزلي ومصدر كل الوجود.
يؤكد المنطق الغائي على النظام والغاية الواضحين في كل الخليقة. فمدار الشمس والقمر وتوازن السماوات بل وحتى وجود الكائنات الحية كلها تبين أن الطبيعة لا تحدث عشوائيًا بل تخضع لقوانين ومقاصد وضعها الله.
أكد أن القرآن الكريم يدعو الإنسان مرارًا وتكرارًا إلى التأمل في هذا النظام باعتباره دلائل على عظمة الله. فالظواهر الطبيعية ليست مجرد حقائق علمية بل هي أيضًا آيات مقدسة تقود الإنسان إلى الإقرار بالخالق.
أما المنطق الأخلاقي فيستند إلى فكر إيمانويل كانط الذي يجعل الضمير أساسًا لمعرفة الله. فالإنسان منح بالفطرة القدرة على التمييز بين الخير والشر حتى وإن لم تكن العواقب الاجتماعية للخيارات الأخلاقية دائمًا في صالحه.
يفسر الإسلام هذه الظاهرة من خلال مفهوم الفطرة كما ورد في القرآن الكريم. يعدّ الضمير والميل الفطري نحو الخير دليلاً على أن الإنسان خلق بتوجه أخلاقي مستمد من الله وليس مجرد نتاج للبناء الثقافي أو الأعراف الاجتماعية.
أما الحجة الأخيرة فهي التجربة الدينية. أوضح أن الإنسان يستطيع أن يشعر بحضور الله من خلال تجاربه الداخلية الشخصية. ورغم أن هذه التجارب قد تبدو ذاتية فقد أوضح الفيلسوف ريتشارد سوينبرن أن التجارب الدينية تستند إلى أساس عقلاني من خلال مبادئ المصداقية والشهادة.
أضاف أن التجارب الروحية لا تقتصر على أفراد بعينهم بل اختبرها ملايين البشر عبر التاريخ. ولذلك تعدّ التجارب الدينية دليلاً يعزز الإيمان بوجود الله.
كما سلّط الضوء على تطور الدراسات الدينية الحديثة التي تفسّر مختلف أشكال المفاهيم الإلهية عبر التاريخ البشري مثل نظرية الإله الأعلى لأندرو لانغ ومفهوم التوحيد الأعظم لويلهلم شميدت. فرغم تنوّع أشكال التعبير الديني البشري إلا أن هناك ميلًا عالميًا للاعتراف بوجود الله عز وجل.
بل إنه استشهد بعدد من الدراسات المعاصرة بما في ذلك فكرة فيلايانور راماشاندران عن “وحدة الله” في الجهاز العصبي البشري بالإضافة إلى برهان كورت غودل المنطقي على حتمية وجود الله. تظهر هذه النتائج أن بحث البشرية عن الله له أبعاد فلسفية ونفسية بل وعلمية.
رؤية الجمعية المحمدية في العقيدة
من منظور الجمعية المحمدية يفهم وجود الله من خلال ثلاثة مفاهيم رئيسية وهي الرب والإله والمالك. الرب يؤكد أن الله هو الخالق والرازق والمدبر للكون. والإله يدل على أن الله هو الكائن الوحيد المستحق للعبادة والطاعة. والمالك يؤكد أن الله هو المالك والمدبر المطلق وهو مصدر القانون والمصدر الذي يحاسب فيه الإنسان على جميع أعماله.
أكد أن هذه المفاهيم الثلاثة يجب فهمها في إطار التوحيد الرحيم أي الإيمان بأن جميع صفات الله وأفعاله مبنية على المحبة. يضع هذا المبدأ الذي طوره الشيخ حميم إلياس الرحمة في صميم مفهوم الألوهية في الإسلام.
يرى أن القرآن الكريم ينص صراحةً على أن الله قد فرض الرحمة على نفسه وأن رحمته تغلب غضبه. ولذلك فإن فهم الله على أنه رب وإله ومالك لا ينفصل عن صفاته بأنه الرحمن الرحيم.
وأكد أن النقاش حول وجود الله لا يقتصر على الجوانب النظرية بل يجب أن يتجلى هذا الإيمان في السلوك الإنساني اليومي من خلال المسؤولية الأخلاقية وحرية اختيار الخير والاستعداد للمساءلة أمام الله عن جميع الأعمال.





