جاكرتا – تحتاج الجمعية المحمدية إلى تعزيز دورها الدولي باستمرار من خلال بناء شبكات عالمية وتوسيع نطاق الدراسات المتعلقة بها والاضطلاع بدور فاعل في الدبلوماسية الإسلامية. ويعتبر هذا التوجه الدولي بالغ الأهمية لكي تسهم تجارب الجمعية المحمدية وأفكارها على نطاق أوسع في الشؤون العالمية.
قد أوضح ذلك أحمد فؤاد فناني في جاكرتا يوم الجمعة (٢٨\8). وتناول فؤاد في عرضه أربع نقاط رئيسية : أهمية الوطنية للجمعية المحمدية وأسباب توجهها الدولي والخطوات والتحديات المختلفة.
أهمية الوطنية للجمعية المحمدية
أكد فؤاد أن انفتاح الجمعية المحمدية على العالم لا ينبغي أن يتعارض مع حبها لإندونيسيا. ووفقًا لفؤاد يظهر تاريخ الجمعية المحمدية أن قادتها يتمتعون بعلاقات وثيقة مع المجتمع الدولي مع التزامهم التام بوطنهم.
وذكر مثالي الشيخ عبد القهار مذكر والشيخ ماس منصور اللذين درسا في الخارج لكنهما حافظا على حبهما العميق لإندونيسيا. ويتجلى شعور مماثل في رحلتي الشيخ أحمد دحلان إلى مكة المكرمة. ولم يختر البقاء هناك بل جلب المعرفة التي اكتسبها لنشرها وتطويرها في إندونيسيا.
لذلك يعتقد فؤاد أن الوطنية في الجمعية المحمدية متجذرة في التاريخ. ففي نضالها من أجل بناء إندونيسيا طورت الجمعية المحمدية فكرة إندونيسيا كأمة موحدة لا تقوم على هويات إقليمية محددة.
فإن العلاقة بين المسلمين في الأرخبيل والمجتمع الدولي قائمة منذ قرون. وأشار أنّ علماء إندونيسيين درسوا في الشرق الأوسط في القرنين السادس عشر والسابع عشر وشكلوا جماعة تعرف باسم “البلاد الجاوية”. كما درس باحثون آخرون إسهامات العلماء والمفكرين الإندونيسيين في تشكيل القومية.
من هذا التاريخ خلص فؤاد إلى أن الوطنية والانفتاح على العالم الخارجي ليسا متناقضين. بل إن للجمعية المحمدية تقليدًا في استقاء الأفكار من أماكن مختلفة ومعالجتها ثم ربطها بالسياق الإندونيسي.
أسباب تدويل الجمعية المحمدية
ثم أوضح فؤاد لماذا تحتاج الجمعية المحمدية إلى تعزيز تدويلها. أحد الأسس موجود في سورة الحجرات في الآية ١٣ التي توضح أن الإنسان خلق شعوبًا وقبائل مختلفة ليتعرفوا على بعضهم. وفي السياق الحالي يمكن تحقيق هذا المبدأ من خلال الدبلوماسية وبناء الشبكات وإقامة علاقات مع المجتمعات في مختلف البلدان.
قال “الهدف هو التعارف. والتعارف بلغة اليوم هو الدبلوماسية وبناء الشبكات والتواصل مع الآخرين”.
كما ربط التدويل بسورة الجمعة في الآية ١٠ التي تتضمن الأمر بـ”انشروا في الأرض” أي التمدد على وجه الأرض بعد أداء الصلاة. ووفقًا لفؤاد يمكن لهذه الآية أن تلهمنا لبناء شبكة أوسع تشمل الدعوة والتعليم وخدمة المجتمع في أماكن مختلفة.
يرى فؤاد أن قوة الجمعية المحمدية تستمد قوتها من تراثها العلمي وانفتاحها على تبادل الأفكار. ويؤكد أن الجانبين العلمي والمعرفي والمؤسسي يساهمان في استدامة الجمعية المحمدية.
من الناحية العلمية لم تقتصر الجمعية المحمدية منذ نشأتها على الأفكار التي نشأت في بيئتها المحلية. فعلى سبيل المثال قرأ الشيخ أحمد دحلان مؤلفات المصلحين الإسلاميين مثل الشيخ محمد عبده و الشيخ محمد راشد رضا بما في ذلك تفسير المنار. ثم قام بدراسة هذه الأفكار وتفسيرها وتطبيقها بما يتناسب مع احتياجات المجتمع الإندونيسي.
يعدّ التراث التعليمي أيضاً من نقاط القوة المهمة. ويرى فؤاد أن المستوى التعليمي المرتفع نسبياً لكوادر الجمعية المحمدية وقادتها يعدّ ركيزة أساسية لتطوير المنظمة. لذا يجب الحفاظ على تعزيز المعرفة والكفاءة باستمرار في مسيرة الجمعية المحمدية نحو التدويل.
في ظل التغيرات التي يشهدها النظام العالمي يرى فؤاد حاجة متزايدة إلى التدويل. يعتقد أن العالم اليوم لم يعد يسير وفق نمط ثنائي القطبية كما كان الحال في التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بل اتجه نحو نظام متعدد الأقطاب بمراكز قوة متزايدة التنوع.
في سياق العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب يرى فؤاد أن المشاعر السلبية تجاه الإسلام لا تزال تظهر في بعض الخطابات العالمية لا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١ وتصاعد خطاب الحرب على الإرهاب. وفي هذا السياق تعتبر الجمعية المحمدية فرصة سانحة لتقديم نموذج إسلامي معتدل ومنفتح.
تمتلك إندونيسيا والجمعية المحمدية العديد من المقومات المهمة لأداء هذا الدور. فإندونيسيا تضم عددًا كبيرًا من المسلمين ولديها خبرة في الديمقراطية وموارد بشرية وقوة اقتصادية بينما تمتلك الجمعية المحمدية رأس مال اجتماعي ومؤسسي واسع.
أشار إلى وجود مئات المستشفيات والجامعات والمدارس والمعاهد الإسلامية الداخلية فضلًا عن العديد من المشاريع الخيرية كأصول تميزها عن كثير من المنظمات الإسلامية العابرة للحدود.
يرى فؤاد أن تدويل الجمعية المحمدية لا يقتصر على إنشاء مؤسسات في الخارج فحسب. فقد حققت الجمعية المحمدية العديد من الإنجازات المهمة مثل الجامعة المحمدية في ماليزيا وفي أستراليا في ملبورن والعديد من أنشطة الجمعية المحمدية في الخارج. كما أشار إلى شراء كنيسة في إسبانيا كجزء من جهود الجمعية المحمدية للتدويل.
تعدّ هذه المؤسسات بمثابة البنية التحتية. ولتعزيز التدويل تحتاج الجمعية المحمدية أيضًا إلى البنية التحتية المتمثلة في الأفكار والدراسات والمناقشات وإنتاج المعرفة حول الجمعية المحمدية التي يمكن مناقشتها دوليًا.
حثّ فؤاد على إجراء المزيد من البحوث الجادة والمستدامة حول الجمعية المحمدية. وروى تجربته في كتابة أطروحته عن الجمعية المحمدية في الجامعة الوطنية الأسترالية. في البداية لم يكن ينوي جعل الجمعية المحمدية موضوعًا لبحثه. إلا أن مشرفه غريغ فيلي شجعه نظرًا لمحدودية البحوث الدولية حول تطور الجمعية المحمدية لا سيما بعد عصر الإصلاح.
خلال عملية البحث تلقى فؤاد أيضًا نصيحة من أحمد شافعي معارف بالكتابة النقدية عن الجمعية المحمدية والحفاظ على مسافة الباحث. فقد كان يعتقد أن تقليد البحث النقدي ضروري لفهم الجمعية المحمدية أكثر موضوعية من قبل المجتمع الدولي.
في سياق الدبلوماسية اقترح فؤاد أن تتبنى الجمعية المحمدية نهجًا استباقيًا في بناء العلاقات. ويعني هذا النهج أن تسعى الجمعية جاهدةً لبناء شراكات مع مختلف الدول والمجتمعات دون حصر نفسها في أي فئة أو قوة بعينها.
قال “النهج الاستباقي يعني أن نكون مبادرين ومستعدين للتعاون مع الجميع”.
المشاركة الفعّالة في حل المشكلات الدولية
يرى فؤاد أيضًا أن الجمعية المحمدية قادرة على لعب دور جسر بين الإسلام والغرب. ويمكن توجيه التعاون مع الحكومة وجمعية نهضة العلماء وغيرها من المنظمات نحو تعزيز الحوار وتقليل سوء الفهم بين المجتمعات الإسلامية والغربية.
فإن تجربة الجمعية المحمدية في عدة دول تظهر رأس مالها الاجتماعي القوي. وتعتبر الجمعية منظمة منفتحة وودودة نسبيًا مما يسهّل قبولها في المجتمع الدولي.
قال “هذا رأس مال دبلوماسي أكبر”.
إضافةً إلى دورها كجسر بين الإسلام والغرب شجع فؤاد الجمعية المحمدية على الانفتاح على الأئمة والشخصيات الإسلامية من مختلف البلدان. يعتقد أن هذه الانفتاحية يمكن أن تكون جزءًا من الدبلوماسية الإسلامية المعتدلة وأن تمنع تشكّل مجتمعات مسلمة معزولة على أساس بلد المنشأ أو المذهب.
كما اقترح أن تبدأ الجمعية المحمدية بالتفكير في دور أكبر كوسيط في النزاعات في الشرق الأوسط. ووفقًا لفؤاد فإن القدرة على القيام بدور الوسيط لا تحددها قوة الدولة وحدها بل يمكن تطويرها أيضًا من خلال العلاقات بين الشعوب.
قال “لذا يمكننا بالفعل تطبيق هذه الوساطة وجعلها ملموسة”.
يرى فؤاد أن الجمعية المحمدية تمتلك بالفعل البنية التحتية اللازمة لتطوير هذا الدور. فوجود فروع الجمعية المحمدية والمدارس والجامعات والمنظمات الخيرية المختلفة في مواقع متعددة يمكن أن يشكل أساسًا لبناء شبكات ودبلوماسية مجتمعية.
مع ذلك فإن كل هذه القوة المؤسسية تحتاج إلى أن تصاحبها أفكارٌ خلاقة. يجب توسيع نطاق الدراسات والبحوث والمناقشات حول الجمعية المحمدية لكي يتعرف المجتمع الدولي على الجمعية المحمدية من خلال أفكارها وإسهاماتها لا من خلال اسم أو شخصية محددة فحسب.
يجب أن يتجه تدويل الجمعية المحمدية في نهاية المطاف نحو الجهود الرامية إلى تعريف العالم بأفكار المحمدية وخبراتها ومساهماتها.
بفضل رأس المال العلمي والمؤسسات والموارد البشرية والشبكات الموجودة يعتقد أن للجمعية المحمدية فرصة لتعزيز دورها في الدبلوماسية الإسلامية والساحة العالمية.





