في كل بطولة لكأس العالم لا يقتصر الأمر على مشاهدة مباريات كرة قدم مثيرة. بل يشهد العالم أيضًا انتشارًا واسعًا لـ”توقعات” مختلفة حول الفائز بالبطولة. وتنتشر هذه الظاهرة مجددًا مع كأس العالم 2026. يستخدم البعض الأخطبوطات والطيور والجمال والفيلة والقطط. وحتى الأشياء المقدسة “للتنبؤ” بنتائج المباريات.
ينظر البعض إلى الأمر على أنه مجرد تسلية. لا بأس بذلك إن كان من باب التسلية فقط. المهم ألا يكون ذلك مبنيًا على الإيمان. مع ذلك يؤمن الكثيرون بهذه التوقعات ويثقون بها ثقة عمياء وكأنها تمتلك قوى سحرية للتنبؤ بأمور لم تحدث بعد.
لا يقتصر الأمر على التسلية فقط بل يمس جوهر الإيمان. يعلّم الإسلام أن أمور الغيب بما فيها ما سيحدث في المستقبل هي من اختصاص الله وحده.
لذا فإن أي اعتقاد بأن إنسانًا أو حيوانًا أو جمادًا يستطيع أن يعلم يقينًا ما سيحدث في المستقبل هو الخروج عن التوحيد.
يقول الله تعالى:
قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ (سورة النمل : 65).
هذه الآية مبدأ أساسي في العقيدة الإسلامية وهو أن علم المستقبل ليس من شأن البشر ولا من شأن أي مخلوق آخر. حتى الأنبياء أنفسهم لم يعلموا شيئًا عن الغيب إلا ما أوحى الله إليهم.
ويقول الله تعالى أيضًا:
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ (سورة الجن [72]: 26-27)
ولذلك فإن الافتراض بأن الحيوان قادر على “اختيار” بطل العالم المستقبلي من خلال وسائل خارقة للطبيعة ليس له أي أساس في الإسلام. ويمكن بالفعل تدريب الحيوانات على اختيار أطعمة أو ألوان أو أشياء معينة ولكن ربط هذه الاختيارات بمعرفة المستقبل هو شكل من أشكال الاعتقاد غير المبرر.
حتى أن الإسلام يحذر بشدة من ممارسة الشامانية والعرافة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (رواه مسلم).
وفي حديث آخر قال:
مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ (رواه أحمد).
تبين هذه الأدلة أن الإسلام لا يحرّم ممارسة الشعوذة فحسب بل يُحرّم أيضًا تصديق نتائج تنبؤاتها. يهدف هذا التحريم إلى الحفاظ على نقاء التوحيد حتى لا يعتمد الناس على غير الله في إيمانهم.
يمكن تصنيف هذه الممارسة أيضًا على أنها خرافة. والخرافة هي الاعتقاد بشيء لا أساس له في الشريعة الإسلامية أو دليل عقلاني ولكن يعتقد أنه يجلب المنافع أو الحظ السعيد أو يتنبأ بالأحداث المستقبلية.
إذا كانت هذا الاعتقادات قد تتحول التنبؤات المتعلقة بقوى خارقة للطبيعة والتي تنشر عبر وسائل إعلامية معينة إلى شكل من أشكال الخرافات أي المعتقدات التي تحيد عن تعاليم الإسلام.
إن ظاهرة التنبؤات بنتائج كأس العالم لا تختلف كثيرًا عن التنبؤات الفلكية أو الأبراج أو الممارسات الشامانية الحديثة التي تقدم بطريقة أكثر جاذبية. قد تتغير الوسيلة، لكن المضمون يبقى كما هو: ادعاء المعرفة بأمر لم يحدث بعد دون أي أساس علمي.
كما تحليل مجلس الإفتاء والتجديد للجمعية المحمدية أوضح أن التطورات التكنولوجية لم تغير جوهر الشامانية وإنما تغيرت الوسيلة الإعلامية وطريقة التقديم فقط.
فإن أشكال التنجيم المختلفة المنتشرة عبر وسائل الإعلام المطبوعة والإلكترونية والإنترنت لا تزال تحمل نفس جوهر الممارسات الشامانية التقليدية وبالتالي من منظور ديني تبقى انحرافًا عن التعاليم الإسلامية. العقيدة.
كما أكد أن قراءة الطالع والإيمان به كما ينشر عبر وسائل الإعلام الحديثة لا يختلف جوهريًا عن زيارة العراف شخصيًا. بل إنه وسّع فهمه للحديث الذي ينهى عن الإيمان بالسحرة ليشمل سياقًا معاصرًا كالإيمان بالأبراج والتنجيمات المنتشرة في وسائل الإعلام.
التنبؤات والتوقعات
مع ذلك لا يمنع الإسلام التنبؤ بنتائج المباريات من خلال التحليل العقلاني. وهنا تكمن أهمية التمييز بين التنبؤات والتوقعات.
تستند التنبؤات إلى ادعاءات معرفة المستقبل من خلال قوى خارقة أو حدس روحاني أو أشياء مقدسة أو وسائل إعلام لا يمكن التحقق منها علميًا. أما التوقعات فهي نتاج تحليل البيانات والحقائق.
يمكن وضع التوقعات بناءً على إحصائيات المباريات في كرة القدم وجودة اللاعبين وأداء الفريق وسجل المواجهات المباشرة واللياقة البدنية واستراتيجيات التدريب وحتى الاحتمالات الرياضية. وتعتبر هذه الأنواع من التنبؤات من المساعي الفكرية المباحة.
على المسلم أن يدرك أن التنبؤات مجرد تقديرات وليست حقائق مؤكدة. فحتى أدق التحليلات قد تكون غير دقيقة لأن النتيجة النهائية تبقى بيد الله.
يقول الله تعالى:
وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (سورة التكوير : 29)
و قوله تعالى:
وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ (سورة الأنعام :59)
لذا ينبغي على المسلمين التمييز بين التنبؤات العلمية والخرافات. فالتنبؤات جزء من المسعى الفكري الذي يوظف المعرفة بينما النبوءات ادعاءات بمعرفة الغيب وهي معرفة خاصة بالله وحده.
لا بأس بالاستمتاع بكرة القدم ولا بأس بمناقشة احتمالات الفوز ولكن لا ينبغي للترفيه أن يقود إلى معتقدات تُخلّ بنقاء التوحيد.
ينبغي على المسلم استخدام العقل أداةً للتحليل، مع جعل التوكل على الله غايةً قصوى، لأن الله وحده هو من يعلم ويقدر ما سيحدث.





