يُقبّل بعض الناس العلم الوطني بعاطفة جياشة. وقد يرى البعض في هذا المشهد مبالغة. بل إن البعض يربطه سريعًا بالقضايا العقدية. وكأن تقبيل العلم شكل من أشكال التقديس الذي لا يمنح إلا لله.
هل هذا صحيح؟
للإجابة على هذا السؤال نحتاج إلى وضع المسألة في سياقها الصحيح. ففي الإسلام للحياة البشرية أبعادٌ متعددة منها الإيمان والعبادة والتفاعلات الاجتماعية والأخلاق. وهذه الأربعة مترابطة ولكن ليس كل فعل بشري يندرج تلقائيًا ضمن نطاق الإيمان أو العبادة.
فالمواطنة الصالحة والحفاظ على الوحد، واحترام الرموز الوطنية والامتثال للأنظمة الموضوعة للصالح العام والسعي لمنع انقسام الأمة كلها جزء من التفاعلات الاجتماعية. قد تعتبر هذه الأفعال عبادةً إذا نفِّذت بنوايا حسنة وانطلاقًا من أخلاق حميدة. وهنا تكمن أهمية فهم الغاية من الفعل.
العلم الأحمر والأبيض هو العلم الوطني لإندونيسيا. وقد أكدت مكانته دستوريًا في المادة 35 من الدستور الوطني عام 1945 التي تنص على أن “العلم الوطني لإندونيسيا هو الأحمر والأبيض”. لذا فالعلم ليس مجرد قطعة قماش بل هو رمزٌ للوطنية وأداةٌ تعبِّر عن الوحدة الوطنية.
يمكن إظهار الاحترام للرمز بطرقٍ شتى كالوقوف منتصبًا أو رفع الأيدي أو التحية أو التلويح أو انحناء الرأس أو حتى تقبيل شيءٍ ما كعلامةٍ على الاحترام.
في الحياة اليومية لا نفهم الإيماءات دائمًا حرفيًا. فتقبيل يد أحد الوالدين على سبيل المثال لا يعني تقديسه. وتقبيل رأس الطفل بدافع المودة لا يعني اعتباره مقدسًا. وبالمثل فإن تقبيل شيءٍ ما بدافع الاحترام لا يعني بالضرورة تقديسه.
يقرّ الإسلام بتقبيل الحجر الأسود كشكل من أشكال الاحترام. ففي الحج والعمرة قبّل النبي محمد صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود. وإذا تعذّر عليه تقبيله أشار إليه بيده.
كما في حديث : رأيتُ رجلاً أصلع الرأس – أي عمر بن الخطاب – يقبّل الحجر الأسود ويقول: والله إني أقبّلك وإني أعلم أنك حجر لا ضرر منه ولا نفع. ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبّلك لما قبّلتك”.
هذا الحديث مهم لأنه يبين أن التقبيل ليس عبادة بالضرورة. بل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد صرّح صراحةً بأن الحجر الأسود ليس إلا حجراً لا نفع له ولا ضرر في ذاته.
فإن معنى الفعل لا يحدد بمظهره الخارجي فحسب بل يجب مراعاة النية والسياق أيضاً. وهنا ينطبق مبدأ الفقه الإسلامي المعروف: “الأمر كله بنوايا”.
هذا المبدأ ينبع من مبدأ علمه النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). في حديث :
“إن الأعمال كلها بالنيات ولكل امرئ ما نوى فمن هاجر إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله». من هاجر لكسب الدنيا أو لامرأة أراد الزواج بها فهجرته لما أراد.
لذا يجب النظر إلى تقبيل العلم الوطني من منظور نية الفاعل.
فإذا قبّل أحدهم العلم لاعتقاده أن للقماش الأحمر والأبيض (العلم الوطني الإندونيسي) قوى خارقة أو أنه يجلب منافع أو أضرارًا بشكل مستقل أو أنه يحمل صفات إلهية فالأمر يختلف تمامًا. فهذه المعتقدات تتعارض مع التوحيد. لذلك فإن احترام العلم كرمز للأمة يختلف عن عبادته.
يتضح هذا التمييز أكثر عند النظر في قصة النبي آدم والشيطان. يقول الله تعالى في سورة البقرة أية 34.
إن السجود في هذه الآية لا يعني بالضرورة أن الملائكة تسجد لآدم فالعبادة موجهة إلى الله وحده. السجود شكل من أشكال التوقير الذي أمر به الله في ذلك الوقت.
لذا لا يجوز مساواة كل فعل من أفعال التبجيل المباشر بالعبادة. يجب التمييز بين التعزيم بمعنى التوقير والعبادة بمعنى الخضوع.
وفي هذه المسألة فإن من يقبل الراية حباً للوطن واحتراماً لنضال الأبطال ورغبةً في الحفاظ على الوحدة الوطنية لا يعبد القماش.





